أربعة أنماط تكاد تكون حاضرة في كل بيئة عمل. السؤال كيف تتعامل مع كل واحد و أين تتعامل معه.
في أي فريق عمل، إذا أمعنت النظر جيدًا، ستجد أنماطًا متكررة تظهر بأشكال مختلفة.
لن نُحصيها جميعًا فالبشر أعقد من أي تصنيف لكن أربعة منها تكاد تكون حاضرة في كل بيئة عمل، وهي الأكثر تأثيرًا على طريقة الإدارة.
الأول: الحساس. يعمل بصمت، يُنجز بإتقان، لكنه يحمل كل كلمة سمعها في اجتماع أمس حتى اليوم. ملاحظة واحدة أمام الجميع قد تكلّفك أسابيع من إعادة بناء الثقة.
الثاني: المتحمس. طاقته تملأ الغرفة، يُبادر قبل أن تنتهي من الجملة. لكنه يحتاج من يُوجّه هذه الطاقة قبل أن تتبعثر في كل اتجاه.
الثالث: الغامض. لا يبدو أنه يتأثر بشيء، ولا يُعلن عن شيء. هادئ بطريقة قد تُفسَّر خطأً على أنها لا مبالاة، بينما هو في الغالب يعمل بهدوء… لكنه لا يُخبرك.
الرابع: المُجامل. يوافق على كل شيء في الاجتماع، ولا يُنفّذ شيئًا بعده. لا يعترض، لا يرفض، لا يُصعّد فقط يبتسم ويقول "إن شاء الله". وهو النمط الأصعب في الإدارة، لأنه لا يُعطيك إشارة واضحة تتعامل معها.
السؤال الذي يطرحه كثير من المديرين: هل يجب أن أعامل كل واحد منهم بأسلوب مختلف؟
والإجابة المختصرة: نعم. لكن ليس بالطريقة التي يظنها أغلبهم.
التمييز لا يعني التمييز
حين نقول "عامل كل موظف بأسلوبه"، لا نعني أن تُغيّر قيمك أو معاييرك أو توقعاتك من شخص لآخر.
ما نعنيه هو شيء أبسط وأعمق في الوقت ذاته: أن تُدرك أن الرسالة الواحدة قد تصل بطرق مختلفة.
الحساس يحتاج أن تُوصل له الملاحظة بخصوصية . المتحمس يحتاج أن تُوجّه طاقته لا أن تُطفئها. الغامض يحتاج أن تتأكد أن الرسالة وصلت… دون أن تفترض أنها وصلت. والمُجامل يحتاج أن تُحوّل موافقته الشفهية إلى التزام مكتوب وموعد محدد.
هذا ليس تدليلًا، ولا استثناءً. هذا هو الفهم الحقيقي لمعنى القيادة.
الاجتماع ليس محكمة
كثير من المديرين يدخلون الاجتماع بأجندة واضحة: متابعة الأعمال، مراجعة التقدم، توزيع المهام. لكن في منتصف الاجتماع، تنزلق الأمور نحو شيء آخر: تقييم لأداء موظف بعينه، أمام زملائه جميعًا.
وهنا يحدث الخطأ. ليست المشكلة في التقييم ولكن المصيبة في المكان الخطأ.
الموظف الحساس الذي يتلقى ملاحظة أمام الجميع، لن يسمع الملاحظة. إنما سيسمع الإحراج. وسيصرف طاقته كلها في إدارة مشاعره في تلك اللحظة، لا في استيعاب ما قيل. وبعد الاجتماع، سيعمي الموقف ذاكرته على استحضار التوجيه.
أما المُجامل، فسيوافق أمام الجميع بحرارة — وهذا بالضبط ما يجعل المشكلة أعمق، لأنك ستخرج من الاجتماع مطمئنًا… دون أن يتغير شيء.
الاجتماع للمتابعة، لا للمحاسبة
الاجتماعات في جوهرها أداة جماعية. غرضها أن يرى الفريق صورة مشتركة: أين نحن؟ ماذا أنجزنا؟ ما الذي يعيقنا؟
أما التقييم الفردي، فهو حوار ثنائي. له مكانه الصحيح: مكتبك، أو غرفة هادئة، أو حتى رسالة مكتوبة. لكن ليس أمام الجميع.
حين تُقيّم موظفًا علنًا، حتى لو كانت ملاحظتك صحيحة تمامًا، فأنت لا تُصلح أداءه. أنت تُرسل رسالة للفريق كله: "من يُخطئ هنا… يُحاسَب هنا." وهذه الرسالة تُنتج فريقًا يعمل بحذر مفرط، وليس فريقًا يعمل بإبداع.
ما الذي يُميّز المدير الناضج؟
ليس أنه يعامل الجميع بالمساواة المطلقة. بل أنه يعامل الجميع بالعدل.
والفرق بين المساواة والعدل هنا دقيق لكنه جوهري: المساواة تعني أن تُعطي الجميع نفس الأسلوب. العدل يعني أن تُعطي كل شخص ما يحتاجه ليصل إلى نفس النتيجة.
المدير الذي يُدرك هذا الفرق، لن يُضيع وقت اجتماعاته في تصفية الحسابات، ولن يُحرج موظفًا أمام زملائه ظنًا منه أن ذلك "يُحفّز الآخرين". بل سيُفرّق بوضوح بين مساحتين:
مساحة الفريق — للمتابعة والتوجيه المشترك. ومساحة الفرد — للتقييم والتطوير الشخصي.
وحين يكون هذا الفصل واضحًا، يصبح الاجتماع ما يجب أن يكون: أداة عمل. ويصبح الموظف بكل أنماطه شريكًا في الإنجاز، وليس متهمًا ينتظر الحكم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

