الصورة الذهنية لا تُبنى في لحظة إعلان، ولا في حملة، ولا حتى في خطة اتصال متكاملة. هي نتيجة تراكمية لما يحدث داخل الجهة قبل أن ينعكس خارجها.
في إحدى السنوات، ومع بداية مباشرة أحد القيادات التنفيذية لعمله في الجهة، طرح تصورًا طموحًا لما يريد أن تصل إليه صورتها في أذهان الناس. لم يتحدث عن حملات، أو شعارات، أو خطط إعلامية… بل قال جملة لافتة:
"أبغى أخلي الناس يتسلقون مبنى الجهة عشان يحصلون على موظف منها… وأبغى الواحد يُعرف أنه من هذه الجهة من مشيته."
لم تكن دعوة حرفية، بل تعبيرًا مكثّفًا عن طموح يتجاوز الأداء إلى السمعة… ويتجاوز السمعة إلى "الانطباع المتجذّر".
السمعة لا تُبنى بما نقوله عن أنفسنا، ولا بما ننشره من رسائل، بل بما يتكوّن في أذهان الآخرين نتيجة ما يرونه، ويجربونه، ويسمعونه بشكل متراكم.
الصورة الذهنية لا تُصاغ في إدارة الاتصال… بل تتكوّن في كل نقطة تماس بين الجهة والعالم الخارجي، من قرار داخلي، إلى تجربة مستفيد، إلى سلوك موظف، إلى طريقة تعامل القيادة مع الأزمات.
وهنا يمكن النظر إلى الصورة الذهنية كنتاج لثلاث طبقات رئيسية:
الطبقة الأولى: القرار
كل قرار تتخذه الجهة يحمل في داخله رسالة، حتى لو لم تُكتب. ماذا تعطي الأولوية؟ كيف تُوازن بين السرعة والجودة؟ كيف تتعامل مع الخطأ؟ هذه ليست قرارات داخلية فقط… بل إشارات تُقرأ من الخارج.
الطبقة الثانية: التجربة
التجربة هي المكان الذي تتحول فيه النوايا إلى واقع. كل نقطة تماس هي بناء صغير في الصورة الذهنية. ومع التكرار، تتحول هذه النقاط إلى انطباع ثابت — إيجابيًا كان أو سلبيًا.
الطبقة الثالثة: السلوك
السلوك لا يُفرض عبر دليل إرشادي، ولا يتشكل عبر تعميم داخلي… بل هو انعكاس لما تعزّزه الجهة فعليًا: ما الذي يُكافأ؟ وما الذي يُتغاضى عنه؟ وما الذي يُرفض بوضوح؟
أين يأتي دور الاتصال إذًا؟
الاتصال لا يصنع السمعة من الصفر… بل يكشفها، ويعزّزها، وأحيانًا يحاول تفسيرها. يمكنه أن يوضح الاتجاه، ويربط بين المبادرات، وينظّم الرسائل… لكنه لا يستطيع أن يعوّض غياب الاتساق في القرار، أو ضعف التجربة، أو اضطراب السلوك.
الخلاصة
الرغبة في أن تُعرف الجهة من "مشية موظفيها" ليست هدفًا اتصاليًا… بل نتيجة تنظيمية متقدمة. وحين تُفهم الصورة الذهنية بهذا الشكل، تتحول من شيء نحاول "إدارته" عبر الرسائل… إلى شيء نعمل على "بنائه" عبر ما نقرّره، وننفّذه، ونعزّزه يوميًا. وعندها فقط، لا يحتاج الناس أن يُقال لهم من تكون هذه الجهة… بل يعرفونها عندما يرونها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

