حين يدخل الاتصال بعد اتخاذ القرار، يفقد أهم ما يميزه: القدرة على التأثير في شكل الرسالة وتوقيتها. يتحول من دور استراتيجي إلى دور تشغيلي.
في إحدى الجهات، كان فريق الاتصال يعمل بكفاءة عالية؛ الطلبات تُنفذ بسرعة، المواد تُنجز بجودة، والحضور الإعلامي مستمر. ومع ذلك، كان هناك شعور متكرر داخل الفريق بأنهم دائمًا "يلحقون" العمل، ولا يشاركون في صناعته. السبب لم يكن في القدرات، بل في التوقيت.
في كثير من المؤسسات، يتم إشراك إدارة الاتصال في مرحلة متأخرة من العمل، تحديدًا بعد اكتمال الفكرة واعتماد القرار والانتهاء من التخطيط. عند هذه النقطة، يصبح دور الاتصال مقتصرًا على التنفيذ: صياغة بيان، أو تجهيز محتوى، أو ترتيب ظهور إعلامي. المشكلة هنا ليست في حجم العمل، بل في طبيعته.
حين يدخل الاتصال بعد اتخاذ القرار، فإنه يفقد أهم ما يميزه: القدرة على التأثير في شكل الرسالة، وتوقيتها، وحتى ضرورتها. يتحول من دور استراتيجي يُسهم في توجيه المسار، إلى دور تشغيلي يقتصر على تحسين ما تم الاتفاق عليه مسبقًا.
في هذا السياق، تبدأ مؤشرات واضحة بالظهور: تُطرح أسئلة من نوع "كيف ننشر هذا؟" بدلاً من "هل يجب أن ننشره أصلاً؟"، ويصبح التركيز على القالب لا على المحتوى، وتُقاس جودة العمل بسرعة التنفيذ لا بمدى تأثيره.
هذا التحول لا يحدث فجأة، بل يتشكل تدريجيًا نتيجة نمط متكرر: مشاريع تُبنى بمعزل عن الاتصال، وقرارات تُتخذ دون النظر إلى انعكاساتها الاتصالية، ثم يُطلب من الفريق "تغطيتها". ومع الوقت، يترسخ هذا النمط حتى يصبح هو الوضع الطبيعي.
في المقابل، الممارسة الاتصالية الناضجة تبدأ قبل ذلك بكثير. يكون الاتصال حاضرًا عند صياغة الفكرة، ليس لتجميلها، بل لاختبارها: هل الرسالة واضحة؟ هل التوقيت مناسب؟ هل هناك حاجة فعلية للظهور؟ وكيف يمكن تقديمها بطريقة تحقق أثرًا حقيقيًا؟
هذا النوع من الحضور لا يزيد من تعقيد العمل، بل يُقلل من الحاجة إلى إعادته لاحقًا. كثير من الجهود الاتصالية التي تبدو "ضعيفة التأثير" لا تعود إلى ضعف التنفيذ، بل إلى غياب الاتصال عن لحظة اتخاذ القرار.
من الناحية العملية، يمكن التمييز بين الحالتين: إذا كانت إدارة الاتصال تتلقى الطلبات بعد اكتمالها، فهي في موقع تنفيذ. أما إذا كان دورها يبدأ بالسؤال والنقاش قبل اعتماد الفكرة، فهي في موقع قرار.
الخلاصة
إدارة الاتصال لا تفقد تأثيرها بسبب ضعفها، بل بسبب توقيت إشراكها. وحين يكون حضورها متأخرًا، يصبح من الطبيعي أن ينحصر دورها في التنفيذ. أما حين تكون جزءًا من بداية القرار، فإنها لا تكتفي بصياغة الرسالة… بل تُسهم في تشكيلها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

