حين تتسلّم قيادة الاتصال المؤسسي في أي جهة، ستجد أمامك قائمة طويلة مما يُفترض أن تبدأ به. لكن ثمة قرار يسبق كل ذلك في الأثر، ويُغفل في أغلب الأحيان.
حين تتسلّم قيادة الاتصال المؤسسي في أي جهة، ستجد أمامك قائمة طويلة مما يُفترض أن تبدأ به. استراتيجية، هوية بصرية، خطة محتوى، متحدث رسمي، إجراءات أزمات…
وكل ذلك ضروري.
لكن ثمة قرار يسبق كل ذلك في الأثر، ويُغفل في أغلب الأحيان وهو أن تُدرّب قيادات الجهة على الظهور، قبل أن تحتاج إليه، وقبل أن تجد نفسك تُدير ما لم تُعِدّ له أحدًا.
هناك اعتقاد شائع، ومفهوم في ظاهره: ما دامت الجهة تملك متحدثًا رسميًا، فالظهور مكفول. الكاميرا لها وجهها، والسؤال له إجابته، والرسالة لها صاحبها.
لكن هذا الاعتقاد يتهاوى في أول اختبار حقيقي.
لأن الظهور لا يمر كله عبر المتحدث الرسمي. جزء منه يحدث بطبيعته، في غرف قد لا تكون مُعدَّة له.
مدير تقني يُسأل في مؤتمر متخصص عن موقف الجهة من قضية دقيقة. رئيس قسم يجلس في ندوة ويُطرح عليه سؤال لم يكن في الحسبان. مسؤول يُمثّل الجهة في ورشة عمل دولية، وأثناء الجلسة يأتيه سؤال من طرف يحمل موقفًا مسبقًا مُصاغ بعناية، يبدو في ظاهره مشروعًا، لكنه يحمل في طيّاته ما يُربك غير المستعد.
الظهور المؤسسي أوسع مما نتصور.
ليس فقط أمام الكاميرا، وليس فقط في التصريحات الرسمية. هو كل موقف تتشكّل فيه صورة الجهة في ذهن طرف آخر سواء في المؤتمرات حيث يتحدث المختص عن ملف يملكه، أو في الندوات حيث يُمثّل القيادي جهةً بأكملها، أو في لقاءات العمل حيث تنزلق كلمة غير موزونة دون قصد.
كل هذا ظهور. وكل هذا يبني صورة، أو يهدمها.
هنا تظهر المفارقة التي يعيشها كثير من مختصي الاتصال.
يُنفقون وقتًا طويلًا في إعداد التصريحات الرسمية، وصياغة الرسائل، وتحضير المتحدث الرسمي لمقابلة مرتبة. لكن الأثر الاتصالي الأكبر في أحيان كثيرة يصنعه شخص لم يُعدّ لهذه اللحظة، وفي موقف لم يكن مخططًا له.
التدريب على الظهور لا يعني تحويل كل قيادي إلى متحدث رسمي. بل يعني تزويده بما يجعله قادرًا على تمثيل الجهة بوعي حتى حين لا يكون أحد يراقبه.
أن يعرف ما يمكن قوله وما لا يمكن. وأن يُدرك متى يُجيب ومتى يُحيل. وأن يفهم أن الجملة العابرة خارج السياق قادرة على تجاوز أثر عشرات التصريحات الرسمية المُحكمة.
وما يجعل هذا القرار أول القرارات تحديدًا، هو أنه وقائي قبل أن يكون تطويريًا.
الأزمات الاتصالية ليس بالضرورة أن تبدأ من تصريح رسمي مُقرر. لكنها قد تبدأ من كلمة غير موزونة، من موقف لم يُفكَّر فيه، من ظهور لم يُعدّ له صاحبه.
والتدريب لا يُلغي هذا الاحتمال كليًا، لكنه يُضيّق المسافة بين الموقف وبين ما يُقال فيه.
الخلاصة
المتحدث الرسمي ضرورة، لكنه ليس الخط الوحيد.
الجهة لا تظهر فقط حين تُقرر الظهور، إنما في كل لحظة يمثّلها فيها أحد — أمام كاميرا، أو أمام طاولة، أو في ردهة مؤتمر.
وحين تُدرّب الجهة قياداتها على هذا الظهور، فهي تبني قدرة إعلامية و حصانة اتصالية تسبق أي أزمة، وتحمي السمعة قبل أن تُختبر.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

